حسن الأمين

214

مستدركات أعيان الشيعة

وقد نسبت هذه المقولة إلى آخرين غير هشام : 7 - قال ابن أبي الحديد : وأما من قال : إنه « جسم لا كالأجسام » على معنى أنه بخلاف « العرض » الذي يستحيل أن يتوهم منه فعل ، ونفوا عنه معنى الجسمية ، وإنما أطلقوا هذه اللفظة لمعنى : أنه « شيء لا كالأجسام » و « ذات لا كالذوات » . فأمرهم سهل ، لأن خلافهم في العبارة ، وهم : علي بن منصور ، والسكاك ، ويونس بن عبد الرحمن ، والفضل بن شاذان . وكل هؤلاء من قدماء رجال الشيعة ( 1 ) ونسبت المقولة إلى أشخاص ينتمون إلى فرق أخرى : 8 - قال ابن أبي الحديد - بعد ذكر ما نقلنا عنه - : وقد قال بهذا القول « ابن كرام » وأصحابه ( 2 ) ونسبت إلى داود الحواري ( 3 ) 9 - قال الشهرستاني - في « مشبهة الحشوية » نقلا عن الكعبي ، عن داود الحواري - رئيس « الحوارية » أنه يقول : إن الله سبحانه « جسم » ولحم ، ودم ، وله جوارح وأعضاء . . . وهو مع هذا « ليس جمسا كالأجسام » ولا لحما كاللحوم . . . وكذلك جميع صفاته . وهو سبحانه لا يشبه شيئا من المخلوقات ، ولا يشبهه شيء ( 4 ) ومع قطع النظر عن التناقض بين صدر هذا النقل وذيله ، فإنه يدل على وجوده المقولة « جسم لا كالأجسام » في ما نقل عن داود . ونقلت المقولة ، بالمعنى ، منسوبة إلى قائلين لها : 10 - ذكر الأشعري في اختلافهم في البارئ تعالى هل هو في مكان أو لا ؟ فقال : وقال قائلون : هو « جسم خارج من جميع صفات الأجسام » ليس بطويل ، ولا عريض ، ولا عميق ، ولا يوصف بلون ، ولا طعم ، ولا مجسة ، ولا شيء من صفات الأجسام ( 5 ) وحكيت المقولة عن غير المعتزلة : 11 - قال صاحب كتاب « فضيحة المعتزلة » : أيما أشنع ؟ القول بان الله « جسم لا يشبه الأجسام » في معانيها ، ولا في أنفسها ، غير متناه القدرة ، ولا محدود العلم ، لا يلحقه نقص ، ولا يدخله تغيير ، ولا تستحيل منه الأفعال ، لا يزال قادرا عليها ؟ أم القول . . . ( 6 ) وجاءت المقولة غير منسوبة : 12 - فيما ذكره الدواني على العقائد العضدية ، قال : ومنهم - أي : من المشبهة - من تستر بالبلكفة ، فقال : هو « جسم لا كالأجسام » وله حيز لا كالأحياز ، ونسبته إلى حيزة ليست كنسبة الأجسام إلى أحيازها ، وهكذا « ينفي جميع خواص الجسم » عنه ، حتى لا يبقى إلا اسم « الجسم » . وهؤلاء لا يكفرون ، بخلاف المصرحين بالجسمية ( 7 ) 13 - فيما ذكره القاضي عبد الجبار المعتزلي من إبطال المعتزلة لقول من زعم : أن الله تعالى « جسم لا كالأجسام » قياسا على القول بأنه تعالى « شيء لا كالأشياء » ( 8 ) ولكن سنذكر أن مقولة « جسم لا كالأجسام » هي عند هشام بمعنى « شيء لا كالأشياء » وتساويها في المعنى ، فالدليل عليهما - عند هشام - واحد . وعلى هذا فيمكن أن تعتبر مصادر « شيء لا كالأشياء » مكملة لمصادر مقولة « جسم لا كالأجسام » . ومن الغريب أن البغدادي - صاحب « الفرق بين الفرق » - لم ينقل هذه المقولة عن هشام ، مع نقله جملة من أشنع ما نسب إليه في بعض مصادرها السابقة ! وأظن أنه إنما عمد إلى ترك ذكر هذه المقولة ، لأنها تحتوي على ما ينسف كل تلك الأكاذيب المفتعلة ، والأباطيل المنسوبة إلى هشام ، كما سيتضح في هذا البحث . 2 - مصطلح هشام في كلمة « جسم » : « الجسم » : في العرف اللغوي يدل على تجمع الشيء ، وتكتله في الوجود الخارجي ( 9 ) وهذا بالطبيعة يقتضي وجود الأبعاد من الطول والعرض والعمق في ما يطلق عليه هذا اللفظ . ويراد منه في العرف العام : مجموعة البدن - لإنسان أو حيوان - متكونة من أعضاء وجوارح . وبعد أن دخلت الفلسفة الأجنبية بلاد الإسلام . استحدث لكلمة « الجسم » تفسير فلسفي هو : ما شغل حيزا ومكانا . وقد اختلفت كلمات المتكلمين في معنى « الجسم » اختلافا كبيرا حيث يطلقونه في كتبهم ، وتجري على ألسنتهم . قال ابن رشيد : الكرامية زعموا : أن معنى « الجسم » هو أنه « قائم بنفسه » ( 10 ) والأشاعرة ذهبوا إلى أن « الجسم » : ما كان مؤلفا . ورأي المعتزلة : أن « الجسم » ما كان طويلا ، عريضا ، عميقا .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 . ( 3 ) لقد اختلفت المصادر في إيراد هذا اللقب ، وقد ورد « الحواري » في بعض المواضع ، و « الجواربي » أو « الجواري » في مواضع أخرى ، والخوارزمي في مواضع ثالثة ، فليلاحظ . ( 4 ) الملل والنحل 1 / 105 ، وانظر : تاريخ الفرق الإسلامية - للغرابي - : 300 - 301 . ( 5 ) مقالات الإسلاميين 1 / 260 . ( 6 ) الانتصار - للخياط - : 107 . ( 7 ) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والكلاميين : 532 . ( 8 ) شرح الأصول الخمسة : 221 ، وانظر : في التوحيد - تكملة ديوان الأصول - : 596 . ( 9 ) معجم مقاييس اللغة - لابن فارس - 1 / 457 . ( 10 ) شرح نهج البلاغة 3 / 228 .